القرطبي

127

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : أفغير دين . الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ( 83 ) قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ( 84 ) قوله تعالى : ( أفغير دين الله يبغون ) قال الكلبي : إن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أينا أحق بدين إبراهيم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كلا الفريقين برئ من دينه ) . فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك ، فنزل " أفغير دين الله يبغون " يعني يطلبون . ونصبت " غير " بيبغون ، أي يبغون غير دين الله . وقرأ أبو عمرو وحده " يبغون " بالياء على الخبر " وإليه ترجعون " بالتاء على المخاطبة . قال : لان الأول خاص والثاني عام ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى . وقرأ حفص وغيره " يبغون ، ويرجعون " بالياء فيهما ، لقوله : " فأولئك هم الفاسقون " . وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب ، لقوله " لما آتيتكم من كتاب وحكمة " . والله أعلم . قوله تعالى : ( وله أسلم ) أي استسلم وانقاد وخضع وذل ، وكل مخلوق فهو منقاد مستسلم ، لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه . قال قتادة : أسلم المؤمن طوعا والكافر عند موته كرها ولا ينفعه ذلك ، لقوله : " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " [ المؤمن : 85 ] ( 1 ) . قال مجاهد : إسلام الكافر كرها بسجوده لغير الله وسجود ظله لله ، " أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون " [ النحل : 48 ] ( 2 ) . " ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال " [ الرعد : 15 ] ( 3 ) . وقيل : المعنى أن الله خلق الخلق على ما أراد منهم ، فمنهم الحسن والقبيح والطويل والقصير والصحيح والمريض وكلهم منقادون اضطرارا ، فالصحيح منقاد طائع محب لذلك ، والمريض منقاد خاضع وإن كان كارها . والطوع الانقياد

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 336 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 111 . ( 3 ) راجع ج 9 ص 301 .